الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
74
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
وجودها الخارجي ومن حيث تحققها كذلك فالموضوع له هو نفس المفاهيم بتلك الملاحظة أعم من أن يكون موجودة في الخارج أو لا ويحتمل أن يعتبر الوجوه الثلاثة باعتبار كونها خارجة وإن لم تكن موجودة في الخارج أو يفصل بين ما يكون موجودة في الخارج فيؤخذ وجودها الخارجي على أحد الوجوه المذكورة وما يكون نفسها خارجيّا فيؤخذ خارجتها كذلك ورابعها أن يراد بذلك وضعها للمفاهيم من حيث كونها عنوانات لمصاديقها في الواقع سواء كان من شأن مصاديقها أن تكون خارجيا أو ذهنيا أو أعم منهما ولو كان تقديريا كما في الممتنعات أو لم يكن تقديريّا إلا بنحو من الاعتبار كما في اللاشيء واللاموجود المطلق ونحوهما فكونها خارجية باعتبار مقابلتها للصور الذهنية وخروجها عن الإدراكات المفروضة وإن كانت مدركات للعقل على فرض تصوّرها والمراد بوضعها للصور الذهنية أما نفس الصور الحاصلة في العقل من حيث كونها مرآتا لما يطابقها في الخارج إن كان ما يطابقها أمورا خارجية أو لما يطابقها في الذهن إن كانت ذهنية فتكون الألفاظ دالة على الصور الذهنية الدالة على ما يطابقها حسبما ذكر فيكون تلك الأمور الخارجية أو الذهنية مدلولة اللفظ بتوسط تلك الصور وأما المفاهيم المعلومة عند العقل من حيث تقييدها بكونها معلومية وإنما عبر عنها بالصور لاتحادها معها في الذهن وإن أمكن الانفكاك بينها بتحليل العقل وإطلاق الصورة على ذلك مما لا مانع منه وقد تكرر إطلاقها عليه في كلماتهم ويحتمل هناك وجوه آخر في بادي الرأي كأن يكون المراد وضعها بإزاء الصور والإدراكات بنفسها أو يكون المراد وضعها بإزاء المفاهيم المقيدة بالوجود الذهني مع اندراج القيد في الموضوع له أو خروجه أو بملاحظة حصولها في الذهن من دون أن يؤخذ ذلك شرطا أو شطرا على حسب الاحتمالات المتقدمة لكنها ضعيفة جدا بل فاسدة قطعا والظاهر أن شيئا من ذلك مما لا يقول به أحد أصلا إذ لا معنى لكون الألفاظ أسامي للأمور الذهنية بنفسها ضرورة دلالتها على الأمور الخارجية قطعا والصور الذهنية بنفسها غير مقصودة بالإفادة والاستفادة غالبا والوجوه المذكورة مشتركة في ذلك وكذا الحال في الوجهين الأولين للقول بوضعها للأمور الخارجية إذ كون الوجود الخارجي جزء من الموضوع له أو قيدا فيه واضح الفساد إذ لا دلالة للفظ عليه أصلا كما لا يخفى وسيجيء توضيح الكلام فيه إن شاء الله والمراد بوضعها للمفاهيم إما مطلق المفهوم الشامل للحاصل منها في الذهن أو الخارج وإن لم يكن الأول من مصاديقه الحقيقية أو المراد بها المفاهيم من حيث كونها عنوانات لمصاديقها حسبما ذكر في الوجه الرابع فيرجع ذلك إليه ويعرف مما ذكرنا الحال في القول الرابع ويجري فيه عدة من الاحتمالات المذكورة كما لا يخفى على المتأمل فيما ذكرنا ثم إنه قد يستشكل فيما ذكر من التفصيل في وضع الجزئيات بأنه ليس عندنا ألفاظ موضوعة بإزاء الجزئيات الذهنية ليكون الموجود الذهني ملحوظا في وضعها على أحد الوجوه المذكورة نعم هناك معان لا وجود لها إلا في الأذهان كالكلية والجنسية والفصلية ونحوها لكنها أمور كلية أيضا فلا يتجه التعبير عنها بالجزئيات وقد يقال بأن أسماء الإشارة إذا أشير بها إلى المعاني الحاصلة في الأذهان كانت موضوعة لتلك الجزئيات الذهنية بناء على كون الموضوع له فيها خاصا كما هو المعروف بين المتأخرين إلا أن حمل كلام الفصل على ذلك لا يخلو عن بعد وكان المقصود منه هو الوجه الأول وإن كان التعبير عنه بما ذكر غير خال عن التعسف لكن يرد عليه عدم ظهور فرق بينها وبين سائر الكليات إذ عدم قبولها للوجود الخارجي لا يقضي باعتبارها الوجود الذهني في وضع اللفظ بإزائها هذا ولا يذهب عليك بعد التأمل فيما قرر من الأقوال المذكورة الفرق بين هذه المسألة وما وقع الخلاف فيه من اعتبار الاعتقاد في مداليل الألفاظ وعدمه حيث يمكن القول بكل من الوجهين على كل من الأقوال المذكورة وليس باعتبار الاعتقاد في الموضوع له مبنيا على كون الألفاظ موضوعة تارة بإزاء الصور الذهنية بل يمكن القول بنفيه ولو مع البناء على القول المذكور والقول بإثباته على القول بوضعها للأمور الخارجية أيضا فإن القائل المذكور يجعل ما وضع اللفظ له بحسب الواقع هو ما يعتقد أنه ذلك المفهوم سواء كان المعنى الملحوظ في الوضع هو الأمر الخارجي أو الذهني فالخلاف في المقام في كون المعاني المتعلقة للأوضاع هل هي الأمور الخارجية أو الصور الذهنية أو غيرهما وهذا القائل قد زاد عليه زيادة فجعل الموضوع له هو الأمر الخارجي لكن على حسب الاعتقاد أو الصورة الذهنية للشيء على حسب الاعتقاد وإن لم يطابقه بحسب الواقع ويشهد بالفرق بين المقامين أنه لم ينقل هناك قول بالتفصيل والقول بالتفصيل معروف في المقام مضافا إلى أن القول بملاحظة الاعتقاد في مداليل الألفاظ مذهب سخيف قد اعترض المحققون عنه وأطبقوا على فساد القول به ولم يقل به إلا شذوذ من الناس من لا تحقيق له ومع ذلك فهو في غاية الوضوح من الفساد ولا يدرى أن العبرة عندهم في الاعتقاد المأخوذ في مدلول اللفظ هل هو اعتقاد المتكلم أو المخاطب أو المكلف وظاهر ما حكي عنهم الأخير وهو لا يجري في الإخبارات إلا أن يفصل في ذلك بين المقامين وأما الخلاف في المقام فهو معروف من الأفاضل الأعلام فتأمل والحق في المقام هو القول بوضع الألفاظ للأمور الخارجية مطلقا بالتفسير الرابع وتوضيح القول في ذلك أن الألفاظ إنما وضعت للماهيات بالنظر إلى حصولها اللائق بها وإن لم يكن ذلك حاصلا لها بالفعل فلفظ الإنسان مثلا قد وضع بإزاء الحيوان الناطق من حيث حصوله في الخارج وبملاحظة كونها أمرا خارجيّا وإن لم يتحقق له حصول في الخارج فهو ملحوظ في الوضع على نحو ملحوظية الموضوع له في القضية المقدرة فإن المراد بالإنسان في قولك كل إنسان حيوان هو الإنسان الخارجي حيث حكمت على جميع أفراده بالحيوانية وكذا الحال في قولك النار حارة والماء باردة والتراب ثقيل ونحو ذلك فإن المقصود بالنار والماء والتراب ليس إلا الأمور الخارجية وإن لم يكن موجودة بالفعل حيث إن الوجود اللائق بحالها هو الوجود الخارجي فالموضوع له هو تلك الماهيات بملاحظة حصولها في الخارج من غير أن يكون الوجود الخارجي جزء من الموضوع له ولا قيدا فيه لكنه ملحوظ في وضع اللفظ لتلك الماهيات بمعنى أنه قد وضع اللفظ بإزائها بملاحظة كونها عنوانات لمصاديقها الخارجية فالمفهوم الملحوظ حال الوضع لم يوضع له اللفظ بملاحظة الصورة الحاصلة في الذهن ولا بملاحظة نفسه سواء كانت حاصلة في الذهن أو في